/ الفَائِدَةُ : ( 2 ) /
17/03/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ. /مَقَامُ الاِسْتِكْنَانِ النَّبَوِيِّ: رُؤْيَةٌ فِي تَعَالِي المَعْرِفَةِ اللَّدُنِّيَّةِ عَلَى صُنُوفِ المُرْتَاضِينَ/ / مَا يَسْتَكْنِهُهُ النَّبِيُّ فِي بَوَاطِنِ ذَاتِهِ أَعْظَمُ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الرِّيَاضَاتِ/ لَقَدْ كَبَا كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ النَّظَرِ ، وَأَصْحَابِ النَّزَعَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ وَالعِلْمَانِيَّةِ ، فِي مَضِيقِ الإِخْفَاقِ عِنْدَ تَنَاوُلِ حَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ ؛ إِذْ تَوَهَّمُوا أَنَّ الأَنْبِيَاءَ (عَلَيْهِم السَّلَامُ) ذَوَاتٌ انْقِيَادِيَّةٌ مَحْضَةٌ ، يَفْتَقِرُونَ إِلَى حُرِّيَّةِ التَّفْكِيرِ وَاسْتِقْلَالِيَّةِ الرَّأْيِ . وَهَذَا التَّصَوُّرُ القَاصِرُ غَلَبَ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الفَلَاسِفَةِ الأَقْدَمِينَ ، فَحَجَبَهُمْ عَنْ مَقَامِ الإِجْلَالِ النَّبَوِيِّ ، ظَانِّينَ أَنَّ النَّبِيَّ مُجَرَّدُ وِعَاءٍ تَلَقِّيٍّ لِلْوَحْيِ ، وَمُتَعَبِّدٍ بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ ، دُونَ أَنْ يَكُونَ بَاحِثاً عَنِ الحَقِيقَةِ ، أَوْ سَابِراً لِأَغْوَارِهَا ، أَوْ مُنَقِّباً فِي مَكْنُونِهَا. بَيْدَ أَنَّ هَذِهِ الظُّنُونَ لَيْسَتْ إِلَّا خَبْطاً مِنَ الوَهْمِ ، وَاجْتِرَاءً عَلَى تِلْكَ الذَّوَاتِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي لَا تَنْفَذُ إِلَيْهَا بَصَائِرُهُمُ الكَلِيلَةُ . وَمَحَاوَلَتُهُمْ هَذِهِ كَمَنْ يَرُومُ إِطْفَاءَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ بِنَفْخَةٍ مِنْ فِيهِ ؛ فَإِنَّ سِيَرَ الأَنْبِيَاءِ الطَّاهِرَةِ ، وَبَيَانَاتِ الوَحْيِ الزَّاهِرَةِ ، تَنْطِقُ بِخِلَافِ مَا زَعَمُوا ، بَلْ وَتَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا نَظَرَةَ الاِزْدِرَاءِ لِتِلْكَ الآرَاءِ ؛ إِذْ إِنَّ حَقِيقَةَ النُّبُوَّةِ أَمْرٌ وَرَاءَ إِدْرَاكِهِمْ . فَمَا يَسْتَكِنُّهُ النَّبِيُّ فِي طَيَّاتِ ذَاتِهِ ، وَمَا يُكَابِدُهُ فِي بَوَاطِنِ غَيْبِهِ ، أَجَلُّ شَأْناً وَأَبْعَدُ مَنَالاً مِنْ جَمِيعِ صُنُوفِ الرِّيَاضَاتِ : العَقْلِيَّةِ ، وَالرُّوحِيَّةِ ، وَالنَّفْسِيَّةِ ، الَّتِي قَدْ يَخُوضُهَا أَعَاظِمُ المُرْتَاضِينَ سَبْراً لِلمَعْرِفَةِ. وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « ... وَلَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً وَلَا رَسُولاً حَتَّى يَسْتَكْمِلَ العَقْلَ ، وَيَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ عُقُولِ أُمَّتِهِ . وَمَا يُضْمِرُ النَّبِيُّ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنِ اجْتِهَادِ المُجْتَهِدِينَ ... »(1). كَمَا تُفْصِحُ بيانات زِيَارَاتِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الشَّرِيفَةِ عَنْ عُمْقِ حَرَكِيَّتِهِ المَعْرِفِيَّةِ بِنَعْتِهِ : (الفَاحِصُ عَنِ المَعْرِفَةِ وَالتَّوْحِيدِ ، وَالغَائِصُ فِيهِمَا). فَانْظُرْ : بَيَانُ زِيَارَتِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « ... وَعَلَىٰ مُحَمَّدٍ الْخَالِصِ مِنْ صَفْوَتِكَ ، وَالْفَاحِصِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ ، وَالْغَائِصِ الْمَأْمُونِ عَلَىٰ مَكْنُونِ سَرِيرَتِكَ بِمَا أَوْلَيْتَهُ مِنْ نِعْمَتِكَ بِمَعُونَتِكَ ...»(2). وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ : أَنَّ الرُّكْنَ الأَسَاسَ فِي تَعْرِيفِ النُّبُوَّةِ هُوَ قُدْرَةُ النَّبِيِّ عَلَى "التَّعَقُّلِ الإِجْمَالِيِّ الفِطْرِيِّ" لِأَسْرَارِ الوَحْيِ وَحَقَائِقِ المَلَكُوتِ ، بِحَيْثُ يَنْطَوِي قَلْبُهُ عَلَى كُنْهِ المَعْرِفَةِ الإِلَهِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ بِلِبَاسِ الوَحْيِ التَّفْصِيلِيِّ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 1: 91 ـ 92/ ح12. أُصُولُ الْكَافِي، 1: 12/ ح11. (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 99: 168